عماد الدين خليل
115
دراسة في السيرة
ومرة ثالثة في الطريق إلى يثرب ، بعد ثلاث ليال من المكوث في الغار . . إن ( سراقة بن مالك ) الذي خلبت لبّه الجائزة التي رصدتها قريش لمن يأتي بالرسول حيا أو ميتا ، يلهث الآن ركضا وراءها ، بفرسه المنطلقة ورمحه المصوب إلى هدفه . . إن سراقة كألوف من الأعراب ، بل كألوف من الناس ، نلتقي بهم في كل مكان وزمان . . أولئك الذين ما أن تبرق أمام أعينهم قطع النقود ، وتطرق أسماعهم أصوات الذهب والفضة وهي ترن ، حتى يصبحوا على استعداد لأن يبيعوا مبادئهم وضمائرهم وشرفهم وعرضهم ، من أجل أن يصلوا إلى قطع النقود ويضعوا أيديهم على أكوام الذهب والفضة . . إنهم موجودون في كل مكان وزمان . ولذا كانت خير وسيلة للإتيان بالزعماء الهاربين من وجه الظلم والطغيان هو أن يعلن عن جائزة قدرها ( . . . ) لمن يأتي بالهارب حيا أو ميتا . . . لكن إرادة اللّه لن تدع الرغائب السافلة تطغى على الأهداف العليا . . . إن هذا الطغيان يحدث - يوم يحدث - عندما يتخلى أصحاب الأهداف الكبيرة عن حشد طاقاتهم والتخطيط العاقل لخطواتهم ، والتلقي الكامل عن خالقهم ، حينذاك تغدو كل آمالهم وتمنياتهم كالزبد الذي يذهب جفاء ولا ينفع الناس . . أما والرسول قد استكمل الأسباب فإن سراقة تعثر به فرسه وتمرغه بالتراب ، كلما اقترب من هدفه ، مرة ومرتين . . فيطلب الأمان . . إنه الآن لا يطارد رجلين مرهقين ، قد عصرهما الجوع ، وأرهقهما السفر الطويل ، والتشرّد . . لكنه يقف بإزاء جند اللّه التي لا ترى ، فأنى له ما يريد ؟ إنه بعد دقائق يلوي زمام فرسه ويقفل عائدا . . وكلما رأى أحدا من اللاهثين كالكلاب الجائعة ردّه قائلا : كفيت هذا الوجه . وذلك ما طلبه منه الرسول ! . ويحدثنا جماعة من الأنصار عن أيام الانتظار القلقة التي سبقت وصول الرسول صلى اللّه عليه وسلم فيقولون « لما سمعنا بمخرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من مكة وتوكفنا قدومه كنا نخرج إذا صلينا الصبح إلى ظاهر حرّتنا ، ننتظر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فو اللّه لا نبرح حتى تغلبنا الشمس على الظلال ، فإذا لم نجد ظلا دخلنا ، وذلك في أيام حارّة حتى إذا كان اليوم الذي قدم فيه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم جلسنا كما كنا نجلس ، حتى إذا لم يبق ظل دخلنا بيوتنا . وقدم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حين دخلنا البيوت ، فكان أول من رآه رجل من اليهود ، وقد رأى ما كنا نصنع ، وإنا ننتظر قدوم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم علينا ، فصرخ بأعلى صوته : يا بني قيلة هذا